ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

80

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ( ص : 75 ) وأراد إفهام تخريب السماوات والأرض وإعادتهما إلى العدم بقوله : « يقبض اللّه السماوات بيده اليمنى والأرض باليد الأخرى ، ثم يهزهن ، ثم يقول : أنا الملك » « 1 » وأراد إفهام معنى : من ربك ومن تعبد ، بقوله « أين اللّه » « 2 » وأشار بإصبعه إلى السماء مستشهدا بربه ، وليس هناك رب وإله : وإنما أراد إفهام السامعين أن اللّه قد سمع قوله وقولهم . فأراد بالإشارة بإصبعه بيان كونه قد سمع قولهم . وأمثال ذلك من التأويلات الباطلة التي يعلم السامع قطعا أنها لم ترد بالخطاب . ولا تجامع قصد البيان . قال شيخ الإسلام : إن كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة الذين لا يجدون ما يقولونه في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة بل يجدونها على خلاف الحق عندهم إما نصا وإما ظاهرا ، بل دلت عندهم على الكفر والضلال ، لزم من ذلك لوازم باطلة ، منها : أن يكون اللّه سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه والتمثيل ، ومنها : أن يكون قد ترك بيان الحق والصواب ولم يفصح به ، بل رمز إليه رمزا وألغزه إلغازا لا يفهم منه إلا بعد الجهد الجهيد ، ومنها : أن يكون قد كلف عباده ألا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها ، وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه . ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك ، ومنها : أن يكون دائما متكلما في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب ، تارة بأنه استوى على عرشه ، وتارة بأنه فوق عباده ، وتارة بأنه العلى الأعلى ، وتارة بأن الملائكة تعرج إليه ، وتارة بأن الأعمال الصالحة ترفع إليه ، وتارة بأن الملائكة في نزولها من العلو إلى أسفل تنزل من عنده ، وتارة بأنه رفيع الدرجات ، وتارة بأنه في السماء ، وتارة بأنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء . وتارة بأنه فوق سماواته على عرشه ، وتارة بأن الكتاب نزل من عنده ، وتارة بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ، وتارة بأنه

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) أخرجه مسلم في ( المساجد / 537 ) ، والإمام مالك في « الموطأ » ، كتاب : العتق ، باب : ما يجوز من العتق .